محمد بن جرير الطبري
438
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذكره بقوله : وَوَصَّى بِها ووصى بهذه الكلمة ؛ أعني بالكلمة قوله : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وهي الإِسلام الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو الإِسلام إخلاص العبادة والتوحيد لله ، وخضوع القلب والجوارح له . ويعني بقوله : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ عهد إليهم بذلك وأمرهم به . وأما قوله : وَيَعْقُوبُ فإنه يعني : ووصى بذلك أيضا يعقوب بنيه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يقول : ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وصاهم بالإِسلام ، ووصى يعقوب بمثل ذلك . وقال بعضهم : قوله : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ خبر منقض ، وقوله : وَيَعْقُوبُ خبر مبتدأ ، فإنه قال : ووصى بها إبراهيم بنيه بأن يقولوا : أسلمنا لرب العالمين ، ووصى يعقوب بنيه أن : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . ولا معنى لقول من قال ذلك ؛ ولأَن الذي أوصى به يعقوب بنيه نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه من الحث على طاعة الله والخضوع له والإِسلام . فإن قال قائل : فإن كان الأَمر على ما وصفت من أن معناه : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب أن يا بني ، فما بال " أن " محذوفة من الكلام ؟ قيل : لأَن الوصية قول فحملت على معناها ، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظ القول لم تحسن معه " أن " ، وإنما كان يقال : وقال إبراهيم لبنيه ويعقوب : " يا بني " ، فلما كانت الوصية قولا حملت على معناها دون قولها ، فحذفت " أن " التي تحسن معها ، كما قال تعالى ذكره : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وكما قال الشاعر : إني سأبدي لك فيما أبدي * لي شجنان شجن بنجد وشجن لي ببلاد السند فحذفت " أن " إذ كان الإِبداء باللسان في المعنى قولا ، فحمله على معناه دون لفظه . وقد قال بعض أهل العربية : إنما حذفت " أن " من قوله : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ باكتفاء النداء ، يعني بالنداء قوله : " يا بني " ، وزعم أن علته في ذلك أن من شأن العرب الاكتفاء بالأَدوات عن " أن " كقولهم : ناديت هل قمت ؟ وناديت أين زيد ؟ قال : وربما أدخلوها مع الأَدوات فقالوا : ناديت أن هل قمت ؟ وقد قرأ جماعة من القراء وأوصى بها إبراهيم بمعنى عهد وأما من قراء وَوَصَّى مشددة فإنه يعني بذلك أنه عهد إليهم عهدا بعد عهد ، وأوصى وصية بعد وصية . القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ . يعني تعالى ذكره بقوله : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه واجتباه لكم . وانما أدخل الأَلف واللام في " الدين " ، لأَن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به ووصيتهما إليهم فيه ، ثم قالا لهم بعد أن عرفاهموه : إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه ، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . إن قال لنا قائل : أو إلى بني آدم الموت والحياة فينهى أحدهم أن يموت إلا على حالة دون حالة ؟ قيل له : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت ، وإنما معناه : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي فلا تفارقوا هذا الدين وهو الإِسلام أيام حياتكم ؛ وذلك أن أحد الا يدري متى تأتيه منيته ، فلذلك قالا لهم : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لأَنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار ، فلا تفارقوا الإِسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ يعني تعالى ذكره بقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أكنتم ، ولكنه استفهم ب " أم " إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه ، كما قيل : ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه تستفهم فيه ب " أم " ، والشهداء جمع شهيد كما